أحلام

في آداب التعبير

قبل أن يبدأ هؤلاء المؤلفون في الرموز، كتبوا في الشرط: من يُعبِّر، ومتى يسكت، وما الذي ليس برؤيا أصلاً. وهذا أنفس ما في الكتب وأقلّه نقلاً — فالمواقع تنقل الرموز وتترك الشرط.

10 فصلاً15 طبقةً من المعبِّرين

طبقات المعبِّرين

النابلسي

في خاتمة كتابه يعدّ النابلسي من عبَّر الرؤيا قبله، طبقةً طبقة — من الأنبياء إلى الصحابة إلى التابعين إلى الفقهاء والزهّاد، ثم إلى الفلاسفة والأطباء، ثم إلى اليهود والنصارى والمجوس ومشركي العرب والكهنة والسحرة. يسمّيهم بأسمائهم ولا يُخرج أحداً منهم من العدّ.

  1. 1

    المعبرون من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه إبراهيم ويعقوب ويوسف ودانيال وذو القرنين ومحمد المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  2. 2

    المعبرون من الصحابة رضوان الله تعالى عنهم أجمعين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن سلام وأبو ذر الغفاري وأنس بن مالك وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وعائشة أم المؤمنين وأسماء أختها.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  3. 3

    المعبرون من التابعين رحمهم الله تعالى سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والشعبي والزهري وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وثابت البناني.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  4. 4

    المعبرون من الفقهاء من بعدهم رحمهم الله تعالى وأبو ثور والأوزاعي وسفيان الثوري والشافعي وأبو يوسف القاضي وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه والبويطي ومنصور بن المعتمر وعبد الله بن المبارك.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  5. 5

    المعبرون من الزهاد رحمهم الله تعالى محمد بن واسع وتميم الداري وشقيق البلخي ومالك بن دينار وسليمان التيمي ومنصور بن عمار ومحمد ابن سماك ويحيى بن معاذ وأحمد بن حرب.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  6. 6

    المعبرون من أصحاب التأليفات في هذا العلم محمد بن سيرين وإبراهيم بن عبد الله الكرماني وعبد الله بن مسلم القتيبي وأبو أحمد خلف بن أحمد ومحمد بن حماد الرازي الخباز والحسن بن الحسين الخلال وأرطاميدوس اليوناني.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  7. 7

    المعبرون من الفلاسفة أفلاطون ومهرادريس وأرسطاطاليس وبطليموس ويعقوب بن إسحاق السكندري وأبو زيد البلخي.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  8. 8

    المعبرون من الأطباء جالينوس وأبقراط وبختيشوع واهران ومحمد بن زكريا الرازي.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  9. 9

    المعبرون من اليهود حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وموسى بن يعقوب.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  10. 10

    المعبرون من النصارى حنين بن إسحاق المترجم وأبو مخلد وزيد الطبري.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  11. 11

    المعبرون من المجوس هرمز بن ازدشير وبزر جمهر بن بختكان وأنو شروان الملك العادل وكشموز وجاماسب.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  12. 12

    المعبرون من مشركي العرب أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي نوفل بن عبد الله وعمرو بن عبدود وابن الزبعري وقيل إنه أسلم بعد فتح مكة فهو من الصحابة رضي الله عنهم وأبو طالب وأبو العاص.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  13. 13

    المعبرون من الكهنة سطيح وشق الخزرجي وعوسيجة والقطاي وأبو زرارة.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  14. 14

    من السحرة عبد الله بن هلال وقرط بن زيد الايلي وعتاب بن شمر الرازي.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

  15. 15

    المعبرون من أصحاب الفراسة سعيد بن سنان وإياس بن معاوية وجندل بن المحكم ومعاوية بن كلثوم. واعلم أن المنام الواحد يعتبر فيه اللفظ الذي يقوله صاحب الرؤيا فتارة يقول تزوجت وتارة يقول نكحت فربما يختلف تأويله ولهذا ذكرنا الزواج في حرف الزاي ثم ذكرنا النكاح في حرف النون وهكذا أمثال ذلك فيعتبر لفظ الرائي وما يقوله ويجري الاشتقاق وغيره عليه وإن كان المعنى واحداً والمنام يختلف باختلاف لغتين كالسفرجل عز وجمال وراحة لمن يعرف لغة الفرس لأنه بلغتهم بهاء وهو للعرب ولمن عاشرهم دال على السفر والجلاء لاشتقاقه ويختلف باختلاف الأديان كمن يرى أنه يأكل الميتة فالميتة مال حرام أو نكد عند من يعتقد تحريمها ورزق وفائدة عند من يحلل أكلها ويختلف باختلاف الزمان فالاصطلاء بالنار والتدفي بالشمس وملابس الشتاء واستعمال الماء الحار ونحوه لمن مرضه بالبرودة أو في الزمان البارد خير وفرج وراحة وذلك في الصيف أمراض أو نكد كما أن استعمال الرفيع من القماش أو الماء البارد ونحوه في الصيف راحة وفائدة وفي الشتاء عكسه ويخلف باختلاف الصنائع فإن لبس السلاح أو العدد للجندي البطال خدمة وللمقاتل نصر وللرجل العابد بطلان عبادته ولغيرهم فتنة وخصومة. وتعتبر عادات الناس وأديانهم كمن يرى أنه يأكل الباقلا الأخضر فإنه عند الصابئة مال حرام ونكد لكونه محرماً عليهم والمجوس يحرمون اللحوم واليهود يحرمون لحم الجزور وبعض اليونانيين يحرمون الدجاج والمسلمون يحرمون الخمر فهذا وما أشبهه مال حرام عند من يعتقد ذلك وأرزاق وفوائد عند من يحللها والمرأة إذا رأت أنها تزني في الجامع بين الناس فهي شهرة رديئة ونكد وإن كانت في الهند دل على أنها تتقرب بعبادة وبر ويكون لها ثناء مليح لأنهم يتقربون بالزنا إلى الله تعالى بمقتضى دينهم الباطل كما أن المجوس تعبد النار فإذا رأى أحدهم أنه أوقد ناراً أو صرف عنها الأذى أو سجد لها كان ذلك عنهم جيداً وفائدة وعبادة وكذلك عباد الشمس إذا رؤوها في صفة حسنة وإذا نزلت بالنار أو الشمس آفة فنقصان يقع في دينهم وبلادهم وكذلك الحكم في كل من عظم شيئاً في السماء أو في الأرض وبالجملة فإن مباحث هذا العلم كثيرة، وأصوله ومتعلقات توجيهاته غير محصورة، ولو استقصيناه لخرجنا عن الصدد بالإطالة والإسهاب، وفي هذا المقدار كفاية لأولى الألباب، والله الموفق للحق والصواب والحمد لله وحده والصلاة السلام على من لا نبي بعده وقد وافق الفراغ من تصنيف هذا الكتاب وتأليفه عشية نهار الخميس الثامن عشر من ربيع الأول من شهور سنة ١٠٩٦ هـ ست وتسعين وألف، من هجرة من له العز والشرف، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    النابلسي · ج 1 · ص 380 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

في الرؤيا وآدابها

مقدمة
النابلسي · عبد الغني بن إسماعيل النابلسي

أن تصدق رؤياه فليحدث الصدق ويحذر الكذب والغيبة والنميمة فإن كان صاحب الرؤيا كذاباً ويكره الكذب من غيره صدقت رؤياه وإن كذب ولم يكره الكذب من غيره لم تصدق رؤياه ويستحب للرجل أن ينام على الوضوء لتكون رؤياه صالحة والرجل إذا كان غير عفيف يرى الرؤيا ولا يذكر شيئاً منها لضعف نيته وكثرة ذنوبه ومعاصيه وغيبته ونميمته

ج 1 · ص 7 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

مقدمة
النابلسي · عبد الغني بن إسماعيل النابلسي

إذا قصت عليه الرؤيا أن يقول "خيراً رأيت وخيراً نلقاه وشراً نتوقاه خيراً لنا وشر لأعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك"، وأن يكتم على الناس عوراتهم ويسمع السؤال بأجمعه، ويميز بين الشريف والوضيع، ويتمهل ولا يعجل في رد الجواب، ولا يعبر الرؤيا حتى يعرف لمن هي، ويميز كل جنس وما يليق به، وليكن العابر عالماً فطناً ذكياً تقياً نقياً من الفواحش عالماً بكتاب الله تعالى وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولغة العرب وأمثالها وما يرجى على ألسنة الناس، ولا يعبر الرؤيا في وقت الاضطرار وهي ثلاثة طلوع الشمس وغروبها وعند الزوال وإذا سأل سائل عن رؤيا عناد ولم يكن رآها فلا يترك المعبر سؤاله بغير جواب فإنه إن كان خيراً فمصروف إلى المعبر وإن كان شراً فمصروف إلى المعاند لأنه مخزول والمجيب منصور على أعدائه كما ورد في قصة يوسف عليه السلام حين سأله الفتيان في السجن عناداً فيقال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه فقال لهما يوسف عليه السلام: {أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} وإن عبر المعبر رؤياه عناداً على سبيل الاعوجاج فإنه إن كان خيراً فهو للسائل وإن كان شراً فهو للمعبر ولا يقص الرائي رؤياه إلا على عالم أو ناصح ولا يقصها على جاهل أو عدو والرؤيا على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث وقعت ولا يقص أحد رؤياه على معبر وفي مصره أو إقليمه معبر أحذق منه لأن فرعون يوسف لما قص رؤياه على معبري بلده فقالوا أضغاث أحلام لم تبطل رؤياه وسأل عنها يوسف عليه السلام فعبرها له فخرجت وإذا اشتبهت الرؤيا على المعبر ولم يعرف لها تأويلاً فليأمر صاحبها إذا خرج من بيته يوم السبت أول النهار أن يسأل أي شخص يلقاه عن اسمه فإن كان اسمه حسناً كأسماء الأنبياء والصالحين فالرؤيا حسنة وإن كان غير ذلك فالرؤيا غير حسنة ويحترز من الكذب فيها فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كذب في الرؤيا كلف يوم القيامة عقد شعيرتين ومن كذب على عينيه لا يجد رائحة الجنة وإن أعظم الفرية أن يفتري الرجل على عينيه، يقول رأيت ولم ير شيئاً" وقال بعضهم إن الكاذب في رؤيا مدعي النبوة كاذباً لأنه ورد في الحديث كما قدمناه أن الرؤيا جزءاً من أجزاء النبوة ومدعي للجزء كمدعي الكل

ج 1 · ص 7 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

مقدمة
النابلسي · عبد الغني بن إسماعيل النابلسي

ينبغي أن يعبر الرؤيا المسئول عنها على مقادير الناس ومراتبهم ومذاهبهم وأديانهم وأوقاتهم وبلدانهم وأزمنتهم وفصول سنتهم والتعبير يكون بالمعنى وباشتقاق الأسماء والميت في دار حق فما قاله في المنام حق وكذلك الطفل الذي لا يعرف الكذب وكذلك الدواب وسائر الحيوانات والطيور إذا تكلمت في المنام فقولها حق وكلام الكذب في اليقظة كالمنجم والكاهن فكذلك قوله في المنام كذب وكلام ما لم يتكلم كالجمادات آية وأعجوبة وقد يقع التعبير بالمثل السائر واللفظ المبتذل، كقولهم في الصائغ إنه رجل كذوب، لما جرى على ألسنه الناس من قولهم فلان يصوغ الأحاديث، وكقولهم فيمن يرى أن في يديه طولاً أنه يصطنع المعروف لما جرى على ألسنة الناس من قولهم هو أطول يداً منك وأمد باعاً أي أكثر عطاء وقد يكون التأويل بالضد والمقلوب، كقولهم في البكاء إنه فرح، وفي الضحك إنه حزن، وفي الطاعون إنه حرب، وفي الحرب أنه طاعون، وفي السيل أنه عدو، وفي العدو أنه سيل، وفي أكل التين إنه ندامة، وفي الندامة أنها أكل التين، وفي الجراد أنه جند، وفي الجند أنه جراد

ج 1 · ص 7 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

مقدمة
النابلسي · عبد الغني بن إسماعيل النابلسي

بالقرآن والسنة إن وجد المعبر فيهما شاهد للرؤيا، كمن يرى نفسه في السفينة فالسفينة نجاة من الخوف قال تعالى: {فأنجيناه وأصحاب السفينة} ، وكمن يرى في منامه أنه وقع في بئر فإنه يمكر به لقوله عليه السلام "بئر جبار" وقد يكون التعبير بالشعر كمن يرى غنماً ترعى فأتى الذئب عليها ففرقها وقتل بعضها فإن ذلك يدل على أن سلطان تلك الناحية يضع رعيته حتى يتولى أمرهم عدوه لقول بعض الشعراء: ومن رعى غنما في أرض مأسدة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد (واعلم) أن أصل الرؤيا جنس وصنف فالجنس كالشجر والسباع والطير وهذه رجال والصنف أن تعلم من أي صنف تلك الشجرة وذلك السبع والطير فإن كانت الشجرة نخلة كان ذلك الرجل من العرب لأن منابت أكثر النخل بلاد العرب وإن كان الطائر طاوساً كان رجلاً من العجم وإن كان ظليماً كان بدوياً من العرب والطبع أن تنظر لأطبع تلك الشجرة فتقضي على الرجال بطبعها فإن كانت جوزاً قضيت على الرجل بالعسر في المعاجلة والخصومة عند المناظرة وإن كانت نخلة قضيت بأنه رجل نفاع بالخير وإن كان طائراً علمت أنه رجل ذو أسفار ثم نظرت في طبعه فإن كان طاوساً كان ملكاً أعجمياً ذا جمال ومال وكذلك إن كان نسراً كان ملكاً وإن كان غراباً كان رجلاً فاسقاً غادراً كذاباً وللمعبرين طرق كثيرة في استخراج التأويل وذلك غير محصور بل هو قابل للزيادة باعتبار معرفة المعبر وكمال حذقه وديانته والفتح عليه بهذا العلم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. [باب الألف]

ج 1 · ص 7 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

فصل في إيضاح أدلة تدل على أن علم الرؤيا له اصل في الشريعة
ابن شاهين · خليل بن شاهين الظاهري

مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض ولنعلمه من تَأْوِيل الْأَحَادِيث} قَالَ الواحدي: هُوَ تَأْوِيل الرُؤْيَا وَقَوله تَعَالَى: {لَهُم الْبُشْرَى فِي الْحَيَاة الدُنْيَا وَفِي الْآخِرَة} قَالَ بعض الْمُفَسّرين: يَعْنِي الرُؤْيَا الصَالِحَة جُزْء من سِتَة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُبُوَة قَالَ الشهرزوري فِي شَرحه للأربعين حَدِيثا وَكَذَا زين الْعَرَب فِي شَرحه للمصابيح: إِن مُدَة ابْتِدَاء وَحي الرَسُول عَلَيْهِ السَلَام إِلَى مُفَارقَته الدُنْيَا كَانَت ثَلَاثَة وَعشْرين سنة وَكَانَت سِتَة أشهر مِنْهَا فِي أول الْأَمر يُوحى إِلَيْهِ مناما فَهِيَ جُزْء من سِتَة وَأَرْبَعين جُزْءا من جملَة أَيَام الْوَحْي لِأَنَهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِينَ سنة على أَكثر الرِوَايَات وَأوحى إِلَيْهِ بعد أَرْبَعِينَ سنة وَمِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ الصَلَاة وَالسَلَام: من لم يُؤمن بالرؤيا الصَالِحَة لم يُؤمن بِاللَه وَالْيَوْم الآخر وَمِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ الصَلَاة وَالسَلَام: لم يبْق من النُبُوَة إِلَا الْمُبَشِرَات وَهِي الرُؤْيَا الصَالِحَة يَرَاهَا الْمُسلم أَو ترى لَهُ وَمِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ الصَلَاة وَالسَلَام: أصدقكم حَدِيثا أصدقكم رُؤْيا وَإِذا اقْترب الزَمَان لم تكد تكذب رُؤْيا الْمُؤمن وَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يكذب فِي رُؤْيَاهُ يزْعم أَنه رأى غير مَا رأى فَإِن الرُؤْيَا وَحي يوحيه الله لَهُ فِي الْمَنَام وَمِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ الصَلَاة وَالسَلَام فِي صَحِيح البُخَارِيّ: أَن من تحلم بحلم لم يره كلف أَن يعْقد بَين شعيرتين وَلم يفعل وَمعنى الْحلم هُوَ معنى الرُؤْيَا لَكِن غلب اسْتِعْمَال الرُؤْيَا فِي المحبوبة والحلم فِي الْمَكْرُوهَة وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ: أَلا أخْبركُم أَن الْإِنْسَان إِذا نَام عرج بِرُوحِهِ إِلَى السَمَاء فَمَا رأى قبل أَن يصل إِلَى السَمَاء فَذَلِك حلم وَمَا رأى بعد أَن يصل إِلَى السَمَاء فَذَلِك الَذِي يكون وَفِي قَول ابْن سِيرِين بَيَان أَن لَيْسَ كل مَا يرَاهُ الْإِنْسَان يكون صَحِيحا وَيجوز تَعْبِيره إِنَمَا الصَحِيح مِنْهُ مَا كَانَ من الله تَعَالَى يَأْتِيك بِهِ ملك الرُؤْيَا وَهُوَ روحائيل من نُسْخَة أم الْكتاب يَعْنِي من اللَوْح الْمَحْفُوظ وَمَا سوى ذَلِك أضغاث أَحْلَام لَا تَأْوِيل لَهَا.

ج 1 · ص 603 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

فصل في بيان معرفة الرؤيا ومجاريها وقوتها وضعفها
ابن شاهين · خليل بن شاهين الظاهري

وبينت مَا كَانَ مُسْتَقِيمًا وَاضحا وألغيت مَا كَانَ أضغاثاً مختلطاً وتأملت ذَلِك بِتَوْفِيق الله تَعَالَى. (وَاعْلَم) أَن صدق الرُؤْيَا إِن نمت على جَنْبك الْأَيْمن لقَوْل ابْن سِيرِين: من نَام على جنبه الْأَيْمن فَرَأى رُؤْيا فَهِيَ من الله تَعَالَى وَمن نَام على جنبه الْأَيْسَر أَو على ظَهره وَرَأى رُؤْيا فَإِنَهَا من قبل الْأَرْوَاح وَرُبمَا يَصح بعض وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي مَنَامه على بَطْنه فَهُوَ أضغاث أَحْلَام وأصدق مَا تكون الرُؤْيَا فِي الرّبيع والصيف لما تقدم من الحَدِيث الشريف وَقد ذهب بَعضهم بِأَن تَفْسِير ذَلِك على هَذَا الْوَجْه وأضعف مَا تكون فِي الخريف والشتاء وَقد قَالَ ابْن سِيرِين وَغَيره: أقوى مَا تكون الرُؤْيَا عِنْد إِدْرَاك الثِمَار واجتماع أمرهَا وأضعف مَا تكون عِنْد سُقُوط وَرقهَا وَذَهَاب ثَمَرهَا وَقيل إِن الله تَعَالَى وكل على كل مدر وَشَجر ملكا لحفظه من الْجِنّ لِئَلَا يفسدونه فَإِذا انْقَضى أوانها وَارْتَفَعت الْمَلَائِكَة والموكلون بهَا بَعدت النُفُوس وتغيرت الأمزجة فتظهر الأحلام السوء والاضغاث. فصل وَأقرب مَا تخرج الرُؤْيَا أَي تظهر الرُؤْيَا إِذا رئيت آخر اللَيْل فَإِنَهُ ينْتَظر بهَا وروى أَن ابْن سِيرِين قَالَ: من رأى رُؤْيا أول اللَيْل فَإِنَهُ ينْتَظر بهَا إِلَى عشْرين سنة فمادون ذَلِك وَيُقَاس على اللَيْل وعَلى السنين وَيعرف مَا مضى من اللَيْل وَينْقص من السنين بِقَدرِهِ مِثَاله إِذا مضى من اللَيْل نصفه ينْتَظر الرُؤْيَا إِلَى عشر سِنِين فَمَا دون ذَلِك وَيُقَاس على ذَلِك وَمن رأى رُؤْيا بعد الصُبْح فَإِنَهُ ينْتَظر لَهَا مُدَة شهر وَمَا دون ذَلِك وَكَذَلِكَ رُؤْيَة النَهَار وَقد ظَهرت رُؤْيَة يُوسُف عَلَيْهِ السَلَام بعد عشْرين سنة فَلَا حل ذَلِك حد آخر انْتِظَار الرُؤْيَا عشْرين وَقَالَ الْكرْمَانِي: أصح مَا تكون الرُؤْيَا عِنْد استغراق النّوم لقَوْل عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه: مَا زَالَ الْإِنْسَان يرى الشَيْء فَيكون وَيرى الشَيْء فَلَا يكون وَالْجَوَاب عَن ذَلِك فِي قَول عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ. فصل وَقد يبطل تَأْوِيل الرُؤْيَا إِذا كَانَ الْإِنْسَان قد عمل فِيمَا يرَاهُ فِي مَنَامه وشغل بِهِ فِي الْيَقَظَة سره وَفِي الحَدِيث عَن النَبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن الرُؤْيَا ثَلَاثَة فالرؤيا الصَالِحَة بشرى من الله تَعَالَى والرؤيا من تخويف الشَيْطَان والرؤيا مِمَا يحدث بِهِ الرجل نَفسه وَقَالَ بعض المعبرين: الرُؤْيَا الصَالِحَة على قسمَيْنِ: قسم بشرى وَقسم تحذير وَقد تخرج الرُؤْيَا على مآرب كَثِيرَة وَقد رأى كسْرَى فِي الْمَنَام زَوَال ملكه وَظُهُور مُحَمَد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ كَذَلِك وَقد رأى النمرود حِين رمى الْخَلِيل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَلَام بمنجنيق أَن الْخَلِيل فِي رَوْضَة خضراء وفيهَا عين جَارِيَة فَكَانَ كَذَلِك وَرَأى فِرْعَوْن أَنه دخل الْبَحْر وَجُنُوده فَغَرقُوا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك وَإِن لم تخرج الرُؤْيَا لصَاحِبهَا خرجت لِبَنِيهِ أَو لنظيره أَو لأحد من عشيرته وَقد رأى النَبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَنَامه أَن ابْن أبي الْعيص فِي الْجنَة بعد مَوته وَكَانَ مُشْركًا فأولها النَبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عتاب بن أسيد لِأَنَهُ كَانَ نَظِيره وَإِن عبرت الرُؤْيَا فِي الْمَنَام فَإِنَهَا تخرج على نَحْو مَا عبرت بِهِ إِذا كَانَ الْمعبر مِمَن يركن إِلَيْهِ وسيمته الْخَيْر وَإِن رأى الْإِنْسَان رُؤْيا مِمَا تدل على خير أَو غَيره ثمَ انتظرها فرآها على صفة مَا رأى أَولا فَتكون قد عبرت وَلَا يكون ذَلِك تَكْرَارا عِنْد بعض المعبرين وَلَيْسَت الرُؤْيَا تبطل بِتَأْوِيل مَا أول بِمَا يُخَالف التَعْبِير إِذْ لَو كَانَ ذَلِك لبطلت رُؤْيا عَزِيز مصر لقَوْل المعبرين اضغاث أَحْلَام وَإِن الشَيْطَان يتَمَثَل فِي الرُؤْيَا بِكُل شَيْء إِلَا بِاللَه تَعَالَى وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَفِي الحَدِيث: إِذا رأى أحدكُم مَا يكره فَليقمْ وليتفل وَلَا يحدث بِهِ النَاس وَفِي الحَدِيث: الْمَنَام على رجل طَائِر إِذا قصّ وَقع وَأول بَعضهم قصّ الرجل الْوُقُوع وَفِي حَدِيث آخر مَا يدل مَعْنَاهُ أَن الْإِنْسَان إِذا رأى فِي مَنَامه مَا يكره فَلَا يحدث بِهِ أحدا وَأَن يبصق عَن يسَاره ويتعوذ من الشَيْطَان فَإِنَهُ لَا يضرّهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمعبر ذَا حذاقة وفطنة صَدُوقًا فِي كَلَامه حسنا فِي أَفعاله مشتهراً بالديانة والصيانة بِحَيْثُ لَا يُنكر عَلَيْهِ فِيمَا يعبره لشهرة صدقه وَلذَلِك سمى الله يُوسُف بِالصديقِ وَأَن يكون عَارِفًا بالأصول فِي علم التَعْبِير وَأَن يُمَيّز رُؤْيَة كل أحد بِحَسب حَاله وَمَا يَلِيق بِهِ وَمَا يُنَاسِبه وَلَا يُسَاوِي النَاس فِيمَا يرونه وَيعْتَبر فِي تَعْبِيره على مَا يظْهر لَهُ من آيَات الْقُرْآن وَتَفْسِيره وَمن حَدِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَا يَنْقُلهُ المتقدمون فِي كتبهمْ وَقد يَقع نَوَادِر ويعتمد على تعبيرها من الْأَلْفَاظ الجلية الظَاهِرَة بَين النَاس وَمَا نقل عَن الأدباء فِي أشعارهم وَغير ذَلِك من أَشْيَاء تناسب فِي الْمَعْنى كَمَا سنذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى بعض ذَلِك فِي بَاب النَوَادِر وَلَو اعْتمد المعبرون على مَا ضبط فِي الْكتب خَاصَة لعجزوا عَن أَشْيَاء كَثِيرَة لم تذكر فِي الْكتب لِأَن علم التَعْبِير وَاخْتِلَاف رُؤْيا النَاس كبحر لَيْسَ لَهُ شاطئ وَقد وضعت هَذَا الْكتاب مُلَخصا وبوبته ثَمَانِينَ بَابا وَجعلت لكل بَاب مَا يُنَاسِبه من مَعَانِيه وأسأل الله الْعِصْمَة من الْخَطَأ وَالنِسْيَان فَإِنَهُ حسبي وَنعم الْوَكِيل.

ج 1 · ص 604 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

فصل في فوائد من بعض الأصول تدل على ما يستعين به الإنسان على التعبير
ابن شاهين · خليل بن شاهين الظاهري

فَائِدَة فِي معرفَة حَقِيقَة النّوم قَالَ الْحُكَمَاء النّوم يحصل من بخار معتدل تصاعد مِنْهُ إِلَى الدِمَاغ بعد أكل الطَعَام وَيحصل مِنْهُ منفعتان فِي الْبدن الأولى رَاحَة الْأَعْضَاء والجوارح وَالثَانيَة هضم الطَعَام. فَائِدَة الْمَنَام الصَحِيح الْوَاضِح إِذا كملت شُرُوطه على مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ الْمُعْتَمد عَلَيْهِ وَمن جملَة ذَلِك أَن يكون أكله معتدلا لَا ممتلئاً وَأكل الثوم يشوش على الْمَنَام. فَائِدَة قَالَ دانيال ان الْمَنَام يخْتَلف بأنواع شَتَى كَمَا تخْتَلف الطباع وَكَذَلِكَ أهواء الْبدن. فَائِدَة بَيَان اخْتِلَاف الرُؤْيَا فرؤيا الْمُلُوك الصَالِحين ألهام من الله تَعَالَى ورؤيا أَرْبَاب دولة الْمُلُوك على حسب ديانتهم وتقربهم ورؤيا الأرقاء إِذا كَانَت حَسَنَة تخرج لساداتهم ورؤيا النسْوَة تخرج عَن قريب ورؤيا الْفُسَاق حجَة يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِم ورؤيا الْأَغْنِيَاء آكِد فِي الصِحَة من رُؤْيا الْفُقَرَاء لِأَن الْفُقَرَاء فِي هم وغم من الْعسر والإقتار ورؤيا الْفُقَرَاء تتأخر إِذا كَانَت حَسَنَة وَإِذا كَانَت غير جَيِدَة تظهر سَرِيعا ورؤيا الطغار الَذين لم يبلغُوا الْحلم أصح من غَيرهم لكَوْنهم لم يعصوا الله ورؤيا الَذِي بلغ مِنْهُم أَضْعَف لكَوْنهم مشتغلين بشهواتهم ورؤيا الْجنب وَالْحَائِض والسكران لَيْسَ لَهَا أصل وَلَا صِحَة. وَقَالَ ابْن سِيرِين تصح مِنْهُم لِأَن الْكَافِر وَالذِمِيّ تصح مِنْهُمَا فبالأولى أَن تصح مِنْهُم. فَائِدَة قَالَ الْكرْمَانِي رُؤْيا الْمُسلم أصدق من رُؤْيا الْكَافِر ورؤيا الْعَالم أصدق من رُؤْيا الْجَاهِل ورؤيا المستور أصدق من رُؤْيا غير المستور ورؤيا الرجل النحس ورؤيا الشَيْخ أصدق من رُؤْيا الشَاب. وَقَالَ جَعْفَر الصَادِق إِذا رأى الأنسان مناما ثمَ نَسيَه فيحسب اسْمه وَيجمع حُرُوفه على حِسَاب ابجد ويطرح من ذَلِك تِسْعَة تِسْعَة ويحفظ مَا بقى مِنْهَا فَإِن وجده زوجا فَهُوَ خيرا وَإِن وجده فَردا فضده. وَقيل يحْتَاج الْمعبر أَن يسْأَل مِمَن يرأى رُؤْيا فنسيها لما اسْتَيْقَظَ من مَنَامه كَيفَ وجد حَاله فَإِن وجد يَده على أَصَابِعه فَيكون قد رأى أشجارا صغَارًا وَإِن وجدهَا على ظَهره فَيكون قد رأى بادية وَإِن وجدهَا على جنبه فَيكون قد رأى شخصا مُضْطَجعا وَإِن وجدهَا على) أضلاعه فَيكون قد رأى نسْوَة وَإِن وجدهَا على استه فَيكون قد رأى مزبلة وَإِن وجدهَا على رَأسه فَيكون قد رأى عمودا ضخما أَو شَجَرَة كَبِيرَة وَإِن وجدهَا على فَخذه فَيكون قد رأى شَجَرَة طَوِيلَة وَإِن وجدهَا على ركبته فَيكون قد رأى نَهرا وَإِن وجدهَا على أَصَابِع رجله فَيكون قد رأى غابة صَغِيرَة. وَقَالَ دانيال من رأى مناما ونسيه فَهُوَ من أَرْبَعَة أَشْيَاء كَثْرَة الذُنُوب وَاخْتِلَاف الْأَعْمَال وَضعف النيات وَتغَير الأمزجة. فَائِدَة فِي بَيَان قصّ الرُؤْيَا وتعبيرها فَمنهمْ من قَالَ أَنه جَائِز فِي كل الْأَوْقَات وَيرجع من طُلُوع الشَمْس إِلَى وَقت الزَوَال وَمِنْهُم من قَالَ لَا يجوز بِغَيْر شمس وَمِنْهُم من قَالَ من طُلُوع الشَمْس إِلَى فَائِدَة لَا يَنْبَغِي أَن تقص الرُؤْيَا إِلَا على معبر وَيجب على من لَا يعرف علم التَعْبِير أَن لَا يعبر رُؤْيا أحد فَإِنَهُ ياثم على ذَلِك لِأَنَهَا كالفتوى وَهِي فِي الْحَقِيقَة علم نَفِيس وَقد ورد فِي الحَدِيث مَا مَعْنَاهُ أَن الْإِنْسَان إِذا لم يعلم الْجَواب وَسكت عَنهُ فَإِنَهُ يُؤجر. فَائِدَة يَنْبَغِي للمعبر أَن يَسْتَوْفِي قصّ الرُؤْيَا فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافقا لِلْأُصُولِ فيجتهد فِي تَعْبِيره وَمَا كَانَ خَارج عَنْهَا فيلغيه عَنهُ وَإِذا قصت عَلَيْهِ رُؤْيا وَرَأى مَا يكره فَلَا يَكْتُمهُ بل يعرف الرَائِي بِعِبَارَة حَسَنَة بِحَيْثُ يفهم الرَائِي مِنْهُ ذَلِك وَمِنْهُم من قَالَ إِنَه يعبر الرُؤْيَة الجيدة وَيتْرك ضدها بِحَيْثُ يَأْمر الرَائِي بالتحذير وَالتَوْبَة وَالصَدَقَة. فَائِدَة إِذا أَرَادَ الْإِنْسَان أَن يرأى رُؤْيا صَادِقا تظهر لَهُ مَا فِي ضَمِيره ينَام على وضوء على جَانِبه الْأَيْمن وَيذكر الله وَيَدْعُو بِهَذَا الدُعَاء الْمَرْوِيّ عَن جَعْفَر الصَادِق وَهَذَا هُوَ: الله إِنِي أسلمت نَفسِي إِلَيْك ووجهت وَجْهي إِلَيْك وفوضت إمري إِلَيْك وألجأت ظَهْري إِلَيْك رَغْبَة وَرَهْبَة إِلَيْك لَا ملْجأ وَلَا منجا مِنْك إِلَا إِلَيْك أمنت بكتابك الَذِي أنزلت وَنَبِيك الَذِي أرْسلت تَبَارَكت رَبنَا وَتَعَالَيْت أَنْت الْغنى وَنحن الْفُقَرَاء إِلَيْك أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك يَا رب أَنا هارب مِنْك إِلَيْك اللَهُمَ أَرِنِي رُؤْيا صَادِقَة غير كَاذِبَة صَالِحَة سارة غير مَحْزَنَة نافعة غير ضارة. وَإِذا اسْتَيْقَظَ يذكر الله تَعَالَى ويقص رُؤْيا على معبر وَمهما عبر لَهُ يعْتَمد عَلَيْهِ. فَائِدَة وَلَا بَأْس بالمعبر إِذا علم مَا يخْتَص بِكُل يَوْم من الْأَيَام السَبْعَة وسعودها ونحسها وساعاتها وَمَا يخْتَص بهَا وقص عَلَيْهِ رُؤْيا أَن يتحَرَى سَاعَة سعد لتَكون أحسن من سَاعَة نحس. فَإِنَهُ إِذا رَأَيْت رُؤْيا فِي الْوَلَد من خير أَو شَرّ فيؤول على الْأَعْدَاء وَإِذا رئي فِي الْوَلَد من خير أَو) شَرّ يؤول على الْوَلَد. فَائِدَة روى أَن أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله تَعَالَى أجنب يَوْمًا فجَاء إِلَى الدجلة بِبَغْدَاد وَأَرَادَ التطهر مِنْهَا فَلم يجد مَعَه مَا يسْتَتر بِهِ فاستحيي من الله تَعَالَى أَن ينزل عُريَانا فَنزل بِقَمِيصِهِ واغتسل من الْجَنَابَة ثمَ طهر وقميصه مبلول فَلم يسْتَطع عصره فَجَلَسَ فِي الشَمْس والقميص عَلَيْهِ لينشفه فَأَخَذته سنة من النّوم فَرَأى النَبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ: يَا أَحْمد كَمَا تبِعت سنتي وَاسْتَحْيَيْت أَن تنزل عُريَانا جعلتك ربع الْإِسْلَام وَكَانَ ذَلِك فِي ابْتِدَاء أمره فَكَانَ من أمره مَا كَانَ. فَائِدَة روى أَن النَبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فليغسل يَدَاهُ أَو قَالَ يَدَيْهِ ثَلَاثَة قبل أَن يدخلهما فِي الأناء فَإِنَهُ لَا يدْرِي ايْنَ باتت يَده من جسده فَشك وَاحِد فِي ذَلِك فَنَامَ واستيقظ فَوجدَ يَده قد دخلت فِي دبره وَقيل أحد أَصَابِعه. وَقَالَ مُؤَلفه النَوَادِر والفوائد كَثِيرَة بِحَيْثُ يطول شرحها واختصرت انا وَوضعت فِي هَذَا الْبَاب مَا يُنَاسب فِيهِ لمساق الْكَلَام فِي الْمَعْنى وَالْمُنَاسِب فَمن رأى شَيْئا من ذَلِك فليعتبر الْأَبْوَاب وَمَا هُوَ مُنَاسِب فِي كل بَاب فيجده وَإِن لم اذكر فِي صدر كثير من الْأَبْوَاب مَا هُوَ مطول فِي تصديره لكَونه يُنَاسب الْمَعْنى فَإِذا أعتبر الرَائِي تصدير الْأَبْوَاب وَلم يجد مَا رَآهُ فَلم يعلم مَعَ أَيهَا يُنَاسب فتنظر فِي جملَة الْبَاب الْمُنَاسب وَقد اعتذرت بإنه لَو اعْتمد المعبرون على كتب التَعْبِير خَاصَة لعجزوا عَن أَشْيَاء كَثِيرَة وَلَكِن يحْتَاج الْمعبر أَن يكون عَالما بأصول التَعْبِير ويعبر بِمَا يظْهر لَهُ من الْمَعْنى وَقد الفت كتابا فِي ذَلِك وسميته الْكَوْكَب الْمُنِير فِي أصُول التَعْبِير وَقد سبكت فِي هَذَا الْكتاب جملَة مُتَفَرِقَة فِي أَمَاكِن ناسبت ذكرهَا والمعبر الفطن يفهم ذكره وَعلم الْأُصُول مَفْهُوم عِنْد أهل التَعْبِير. وختمت هَذَا الْكتاب بفائدة شرعيه مفيدة فِي الرُؤْيَا وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن عبد الْأَعْلَى بن النَجْم قَالَ بت لَيْلَة فِي أَيَام حريش وَابْن خلف الْمعَافِرِي بِمصْر وَكَانَت لَيْلَة جُمُعَة وانا أَقُول فِي نَفسِي لَا أَدْرِي من أتبع إِلَا أَبَا حريش وَأَصْحَابه وَهُوَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن أَو لِابْنِ خلف وَأَصْحَابه وَكَانَ يَقُول إِن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق فَلَمَا أويت إِلَى فِرَاشِي ونمت رَأَيْت هاتفا قد جَاءَنِي وَقَالَ قُم فَقُمْت فَقَالَ لي قل فَقلت وَمَا أَقُول فَقَالَ قل شعرًا: (سُبْحَانَ من رفع السَمَاء ... بِلَا عماد للنَظَر) (مَا قَالَ خلق بخلقة الق ... رآن إِلَا قد كفر) (لَكِن كَلَام منزل ... من عِنْد خلاق الْبشر) وَقَالَ لي اكتبه فمددت يَدي إِلَى كتاب من كتبي وكتبته فِيهِ فَلَمَا استيقظت وجدته مَكْتُوبًا بِالْكتاب وَالله أعلم بِالصَوَابِ وَلَا حول وَلَا قُوَة إِلَا بِاللَه الْعلي الْعَظِيم وصل الله على سيدنَا مُحَمَد وَآله وَصَحبه وَسلم وَالْحَمْد لله وَحده. تمّ الْكتاب وَللَه الْحَمد والْمنَة)

ج 1 · ص 875 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

مقدمة عن الرؤيا
منتخب الكلام · منسوب إلى محمد بن سيرين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على أجل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الكرام المنتخبين (اعلم) وفقك الله أن مما يحتاج إليه المبتدئ أن يعلم أن جميع ما يرى في المنام على قسمين، فقسم من الله تعالى وقسم من الشيطان، لقول الرسول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" والمضاف إلى الله تعالى من ذلك هو الصالح، وإن كان جميعه أي الصادقة وغيرها خلقا لله تعالى، وأن الصالح من ذلك هو الصادق الذي جاء بالبشارة والنذارة وهو الذي قدره النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة وأن الكافرين وفساق المؤمنين قد يرون الرؤيا الصادقة وأن المكروه من المنامات هو الذي يضاف إلى الشيطان الذي أمر النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ بكتمانه والتفل عن يساره ووعد فاعل ذلك أنها لا تضره وأن ذلك المكروه ما كان ترويعا أو تحزينا باطلا أو حلما يؤدي إلى الفتنة والخديعة والغيرة دون التحذير من الذنوب والتنبيه على الغفلات والزجر عن الأعمال المهلكات، إذ لا يليق ذلك بالشيطان الآمر بالفحشاء وإنما إضافة أباطيل الأحلام إلى الشيطان على أنه هو الداعي إليها وأن الله سبحانه هو الخالق لجميع ما يرى في المنام من خير أو شر وإن اختلاف الموجب للغسل مضاف إلى الشيطان، وكذلك ما تراءى من حديث النفس وآمالها وتخاويفها وأحزانها مما لا حكمة فيه، تدل على ما يؤول أمر رائيه إليه وكذلك ما يغشى قلب النائم الممتلئ من الطعام أو الخالي منه كالذي يصيبه عن ذلك في اليقظة إذ لا دلالة منه ولا فائدة فيه وليس للطبع فيه صنع ولا للطعام فيه حكم ولا للشيطان مع ما يضاف إليه منه خلق وإنما ذلك خلق الله سبحانه قد أجرى العادة أن يخلق الرؤيا الصادقة عند حضور الملك الموكل بها فتضاف بذلك إليه، وإن الله تعالى يخلق أباطيل الأحلام عند حضور الشيطان فتضاف بذلك إليه وأن الكاذب على منامه مفتر على الله عز وجل وأن الرائي لا ينبغي له أن يقص رؤياه إلا على عالم أو ناصح أوذي رأي من أهله كما روي في الخبر وأن العابر يستحب له عند سماع الرؤيا من رائيها، وعند إمساكه عن تأويلها لكراهتها ولقصور معرفته عن معرفتها، أن يقول "خير لك وشر لأعدائك خير تؤتاه وشر تتوقاه"، هذا إذا ظن أن الرؤيا تخص الرائي، وإن ظن أن الرؤيا للعالِم قال "خير لنا وشر لعدونا، خير نؤتاه وشر نتوقاه، والخير لنا والشر لعدونا" وأن عبارة الرؤيا بالغدوات أحسن، لحضور فهم عابرها وتذكار رائيها، لأن الفهم أوجد ما يكون عند الغدوات من قبل افتراقه في همومه ومطالبه، مع قول النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ "اللهم بارك لأمتي في بكورها" وأن العبارة قياس واعتبار وتشبيه وظن لا يعتبر بها ولا يختلف على عينها، إلا أن يظهر في اليقظة صدقها أو يرى برهانها وأن التأويل بالمعنى أو باشتقاق الأسماء وأن العابر لا ينبغي له أن يستعين على عبارته بزاجر في اليقظة يزجره ولا يعول عند ذلك بسمعه ولا بحساب من حساب المنجمين يحسبه وأن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ لا يتمثل به في المنام شيطان وأن من رآه فقد رآه حقا وأن الميت في دار حق فما قاله في المنام فحق، ما سلم من الفتنة والعزة، وكذلك الطفل الذي لا يعرف الكذب وكذلك الدواب وسائر الحيوان الأعجم إذا تكلم فقوله حق وكلام ما لا يتكلم آية وأعجوبة وكل كذاب في اليقظة كالمنجم والكاهن، فكذلك قوله في المنام كذب وأن الجنب والسكران ومن غفل من الجواري والغلمان قد تصدق رؤياهم في بعض الأحيان، وإن تسلط الشيطان عليهم بالأحلام في سائر الزمان وأن الكذاب في أحاديث اليقظة قد يكذب عامة رؤياه وأصدق الناس أصدقهم حديثا وأن العابر لا يضع يده من الرؤيا إلا على ما تعلقت أمثاله ببشارة أو نذارة أو تنبيه أو منفعة في الدنيا والآخرة ويطرح ما سوى ذلك لئلا يكون ضغثا أو حشوا مضافا إلى الشيطان وأن العابر يحتاج إلى اعتبار القرآن وأمثاله ومعانيه واضحة كقوله تعالى في الحبل: {واعتصموا بحبل الله جميعا} . وقوله في صفات النساء: {بيض مكنون} . وقوله في المنافقين: { كأنّهُمْ خشُبٌ مُسَنّدَة} . وقوله: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} . وقوله: {إنْ تَستَفْتِحُوا فَقَدْ جاءكم الفتح} . وقوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} . وأنه أيضا يحتاج إلى معرفة أمثال الأنبياء والحكماء وأنه يحتاج أيضا إلى اعتبار أخبار رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ وأمثاله في التأويل كقوله: "خمس فواسق" وذكر الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، وقوله في النساء: "إياك والقوارير"، وقوله المرأة "خلقت من ضلع" ويحتاج العابر أيضا إلى الأمثال المبتذلة كقول إبراهيم عليه السلام لإسماعيل: "غَيِر أسكفة الباب" أي طلق زوجتك، وقول المسيح عليه السلام وقد دخل على مومسة يعظها: "إنما يدخل الطبيب على المريض" يعني بالطبيب العالم وبالمريض المذنب الجاهل، وقول لقمان لابنه: "بَدّل فراشك" يعني زوجتك، وقول أبي هريرة، حين سمع قائلا يقول "خرج الدجال"، فقال: "كذبة كذبها الصباغون" يعني الكذابين وأنه محتاج مع الرجز والشعر إلى اعتبار معانيه ليقوى بذلك على معاني أمثال المنام كقول الشاعر: وداع دعاني للندا وزجاجة ... تحسينها لم يعن ماء ولا خمرا يعني بالداعي دعوة الغناء، وبالزجاجة فم المرأة وكقول الآخر: ليس للنرجس عهد ... إنما العهد للآس وكقوله الآخر: أنت ورد وبقاء ال ... ورد

ج 1 · ص 2 · افتح الصفحة في الشاملة ↗

مقدمة الأستاذ أبو سعيد الواعظ رضي الله عنه
منتخب الكلام · منسوب إلى محمد بن سيرين

(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا والنهار نشورا والحمد لله الأبدي السابق القوي الخالق الوفي الصادق الذي لا يبلغ كنه مدحه الناطق ولا يعزب عنه ما تجن الغواسق فهو حي لا يموت ودائم لا يفوت وملك لا يبور وعدل لا يجوز عالم الغيوب وغافر الغيوب وغافر الذنوب وكاشف الكروب وساتر العيوب دانت الأرباب لعظمته وخضعت الصعاب لقوته وتواضعت الصلاب لهيبته وانقادت الملوك لملكه فالخلائق له خاشعون ولأمره خاضعون وإليه راجعون تعالى الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم انتخب محمدا من خلقه واصطفاه من بريته واختاره وأيده بحكمته وسدده بعصمته وأرسله بالحق بشيرا بعقوبته مباركا على أهل دعوته فبلغ ما أرسل به ونصح لأمته وجاهد في ذات ربه وكان كما وصفه ربه عز وجل رحيما بالمؤمنين عزيزا على الكافرين صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين (قال الأستاذ أبو سعيد الواعظ رضي الله عنه) أما بعد فإنه لما كانت الرؤيا الصحيحة في الأصل منبئة عن حقائق الأعمال منبهة على عواقب الأمور إذ منها الآمرات والزجرات ومنها المبشرات والمنذرات وكيف لا تكون كذلك وهي من بقايا النبوة وأجزائها بل هي أحد قسمي النبوة فإن من الأنبياء صلوِات الله عليهم من كان وحيه الرؤيا فهو نبي ومن كان وحيه على لسان الملك وهو في اليقظة فهو رسول وهذا هو الفرق بين الرسول والنبي (وقد أخبرنا) أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الرفاء قال أخبرنا محمد بن المغيرة قال حدثنا مكي بن إبراهيم قال حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة والرؤيا ثلاثة: الرؤيا الصالحة بشرى من الله عزّ وجل ورؤيا المسلم التي يحدث بها نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به وليقم فليصل وقال أحب القيد وأكره الغل القيد الثابت في الدين (وأخبرنا أبو عمر ومحمد بن جعفر بن محمد بن مطر) قال حدثنا حامد بن محمد بن شعيب قال حدثنا يحيى بن أيوب قال حدثنا أيوب قال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضوان الله عليها قالت: قال رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ: "لا يبقى من بعدي من النبوة إلا المبشرات". قالوا يا رسول الله وما المبشرات قال: "الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو ترى له". (أخبرنا) أبو عبد الله المهبلي قال حدثنا محمد بن يعقوب قال حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قال أخبرنا عقبة بن علقمة بن المعافري قال أخبرني الأوزاعي قال حدثنا بن أبي كثير حدثني عبادة ابن الصامت قال سألت رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ عن هذه الآية {الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} . فقال رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد غيرك هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له". (وأخبرنا) أبو سهل بشر بن أحمد بن الفقيه قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا صدقة بن خالد قال حدثني ابن جابر قال حدثني عطاء الخراساني قال حدثني ابن ثابت بن شماس قال لما انزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْق صَوْتِ النبي} الآية دخل ثابت بن قيس بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي ففقده النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فأرسل إليه فسأله فقال إني رجل شديد الصوت أخاف أن يكون قد حبط عملي قال لست منهم تعيش بخير وتموت بخير قال ثم أنزل الله تعالى: {إن الله يحب كل مختال فخور} فأغلق عليه بابه وطفق يبكي ففقده النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فأرسل إليه فأخبره فقال إني أحب الجمال وأحب أن أسود قومي قال: "لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة". قال فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب فلما التقوا انكشفوا فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة ما هكذا كنا نقاتل على عهد مئذ؟؟ رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ ثم حفر كل واحد منهما حفرة فأتيا فقاتلا حتى قتلا على ثابت يومئذ درع نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه قيس بن ثابت فقال إني أوصيك بوصية إياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد ألقى على الدرع برمة وفوق البرمة رجل فأت خالد بن الوليد فمره فليبعث إلى درعي فيأخذها فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فأخبره أن علي من الدين كذا وكذا وفلان من رقيقي فأتى الرجل خالد بن الوليد فاخبره فبعث إلى الدرع فأتي بها وحدث أبا بكر رضوان الله عليه برؤياه فأجاز وصيته ولم نعلم أحدا جيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس (قال الأستاذ أبو سعيد رضي الله عنه) فهذه الأخبار التي رويناها تدل على أن الرؤيا في ذاتها حقيقة وأن لها حكما وأثرا وأول رؤيا في الأرض رؤيا آدم عليه السلام وهي ما أخبرناه به محمد بن عبد الله بن حمدويه قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق قال حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال حدثنا عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه قال أوحى الله تعالى إلى آدم عليه السلام إنك قد نظرت في خلقي فهل رأيت لك فيهم شبيها قال لا يا رب وقد كرمتني وعظمتني فاجعل لي زوجا تشبهني أسكن إليها حتى توحدك وتبعدك معي فقال الله تعالى لهُ نعم فألقى عليه النعاس فخلق منه حواء على صورته واراه في منامه ذلك وهي أول رؤيا كانت في الأرض فانتبه وهي جالسة عند رأسه فقال له ربه يا آدم ما هذه الجالسة التي عند رأسك فقال له آدم الرؤيا التي أريتني في المنام يا إلهي (ومما يدل على تحقيق الرؤيا في الأصل) أن إبراهيم صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ رأى في المنام ذبح ابنه فلما استيقظ ائتمر لما أمر به في منامه ذلك قال الله عزّ وجل حكاية عنه {يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} . فلما علم إبراهيم عليه السلام برؤياه وبذل جهده في ذلك إلى أن فرج الله عنه بلطفه علم به أن للرؤيا حكما ثم رؤيا يوسف عليه السلام وهي ما أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال أخبرنا الحسن بن محمد الأزهري قال حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال حدثنا عبد المنعم بن إدريس قال حدثني أبي عن وهب بن منبه إن يوسف بن يعقوب عليهما السلام رأى رؤيا وهو يومئذ صبي نائم في حجر أحد أخوته وبيد كل رجل منهم عصا غليظة يرعى بها السباع عن غنمه وليوسف عليه السلام قضيب خفيف دقيق صغير يتوكأ عليه ويقاتل به السباع عن غنمه ويلعب به وهو إذ ذاك صبي في الصبيان فلما استيقظ من نومه وهو في حجر أحد أخوته قال إلا أخبركم يا أخوتي برؤيا رأيتها في منامي هذا قالوا بلى فأخبرنا قال فإني رأيت قضيبي هذا غرز في الأرض ثم أتي بعصيكم كلها فغرزت حوله فإذا هو أضغرها وأقصرها فلم يزل يترقى في السماء ويطولها حتى طال عصيكم فثبت قائما في الأرض وتفرشت عروقه من تحتها حتى انقلعت عصيكم فثبت قائما وسكنت حوله عصيكم فلما قص عليهم هذه الرؤيا قالوا يوشك ابن راحيل أن يقول لنا أنتم عبيدي وأنا سيدكم ثم لبث بعد هذا سبع سنين ورأى فيها الكواكب والشمس والقمر فقال لأبيه {يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} . فعرف يعقوب تأويل الرؤيا وخشي عليه إخوته فالقمر أبوه والشمس أمه والكواكب إخوته فقال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وذكر إلى أن قال {ورفع أبويه على العرش} يعني أجلسهما على السرير وآواهم إلى منزله وخر له أبواه وإخوته سجدا تعظيما له وكانت تحية الناس في ذلك الزمان السجود ولم تزل تحية الناس السجود حتى جاء الله تعالى بالإسلام فذهب بالسجود وجاء بالمصافحة ثم إن يعقوب عليه السلام رأى في المنام قبل أن يصيب يوسف ما فعل إخوته وهو صغير كأن عشرة ذئاب أحاطت بيوسف ويعقوب على جبل ويوسف في السهل فتعاورته بينهم فأشفق عليه وهو ينظر إليه من فوق الجبل إذا انفرجت الأرض ليوسف فغار فيها وتفرقت عنه الذئاب فذلك قوله لبنيه إني أخاف أن يأكله الذئب ثم قصة موسى صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ وهي ما ذكر وهب أن فرعون حلم حلما فظع به وهاله رأى كأن ناراً خرجت من الشام ثم أقبلت حتى انتهت إلى مصر فلم تدع شيئا إلا أحرقته وأحرقت بيوت مصر كلها ومدائنها وحصونها فاستيقظ من نومه فزعا مرتاعا فجمع لها ملأ عظيما من قومه فقصها عليهم فقالوا له لئن صدقت رؤياك ليخرجن من الشام من ولد يعقوب من يكون هلاك مصر وهلاك أهلها على يديه وهلاكك أيها الملك فعند ذلك أمر فرعون بذبح الصبيان حتى أظهر الله تعالى تأويل رؤياه ولم تغن عنه حيلته شيئا وربي موسى عليه السلام في حجره ثم أهلكه على يديه عزت قدرته وجلت عظمته ثم رؤيا المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وهي ما أخبرنا أبو سهل بن أبي يحيى الفقيه قال حدثنا جعفر بن محمد الفريابي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا صدقة قال ابن جابر عن سليمان بن عامر الكلاعي قال حدثنا أبو أمامة الباهلي قال سمعت رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ يقول: "بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأخرجاني وأتيا بي جبلا وعرا فقالا لي أصعد فقلت لا أطيقه قالا إنا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بصوت شديد ما هذه الأصوات فقالوا هذا عواء أهل النار ثم انطلقا بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة تسيل أشداقهم دما فقلت من هؤلاء قال هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم فقلت خابت اليهود والنصارى". قال سليمان فلا أدري أشيء سمعه أبو أمامة عن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أو شيء قال برأيه "ثم انطلقا بي فإذا بقوم أشد منهم انتفاخا وأنتنهم ريحا كأن ريحهم المراحيض فقلت من هؤلاء قال هؤلاء الزانون والزواني قال ثم انطلقا بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين فقلت من هؤلاء قال هؤلاء ذراري المسلمين ثم شرفا بي شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت من هؤلاء قال هؤلاء زيد وجعفر وابن رواحة ثم شرفا بي شرفا آخر فإذا بنفر ثلاثة قلت من هؤلاء قال هؤلاء إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهم ينتظرونك (وأخبرنا) أبو سعيد أحمد بن محمد بن إبراهيم قال حدثني علي بن محمد الوراق قال حدثنا أحمد بن محمد بن نصر قال أخبرنا يوسف بن بلال عن محمد بن مروان الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال سحر رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ وأخذ عند عائشة فاشتكى لذلك رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ حتى تخوفنا عليه فبينما هو صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ بين النائم واليقظان إذا ملكان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه ما شكواه ليفهم عنهما صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ قال طب قال من فعله به قال لبيد بن الأعصم اليهودي قال أين صنعه قال في بئر ذي أروان قال فما دواؤه قال يبعث إلى تلك البئر فينزح ماؤها ثم ينتهي إلى صخرة فيقلعها فإذا فيها وتر في كربة عليها إحدى عشرة عقدة فيحرقها فيبرا إن شاء الله تعالى أما انه بعث إليها استخرجها قال فاستيقظ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ وقد فهم ما قيل له فبعث عمار بن ياسر ورهطا من أصحابه إلى تلك البئر وقد تغير ماؤها كأنه ماء الحناء قال فنزح ماؤها ثم انتهى إلى الصخرة فاقتلعها فإذا تحتها كربة وفي الكربة وتر فيه إحدى عشرة عقدة فأتوا به رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فنزلت هاتان السورتان قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس هما إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية انحلت عقدة فلما حل العقد قام النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فكأنما نشط من عقال قال وأحرق الوتر قال وأمر النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أن يتعوذ بهما وكان لبي يأتي رسول الله صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فما ذاكره النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ ولا رؤى في وجهه شيء فهذه جملة دالة على تحقيق أمر الرؤيا وثبتها في أخبار كثيرة يطول الكتاب بذكرها (قال الأستاذ أبو سعيد رضي الله عنه) لما رأيت العلوم تتنوع أنواعا منها ما ينفع في الدنيا دون الدين ومنها ما ينفع فيهما جميعا وكان علم الرؤيا من العلوم النافعة دينا استخرت الله في جمع صدر منه سالكا نهج الاختصار مستعينا الله في إتمامه على ما هو أرضى لديه وأحب إليه ومستعيذا به من وباله وفتنته والله تعالى ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل (قال الأستاذ أبو سعيد) يحتاج الإنسان إلى إقامة آداب لتكون رؤياه أقرب إلى الصحة فمنها أن يتعود الصدق في أقواله لما روي عن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أنه قال أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ومنها أن يحافظ على استعمال الفطرة جهده فقد روي عن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أنه كان يسأل أصحابه كل يوم هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا فيقصونها عليه فيعبرها لهم ثم سألهم أياما فلم يقص عليه أحد منهم رؤيا فقال لهم كيف ترون وفي أظفاركم الرفغ وذلك أن أظفارهم قد طالت وتقليمها من الفطرة ومنها أن ينام على طهر وقد روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الفجر وأن لا أنام إلا على طهر ومنها أن ينام على جنبه الأيمن فإن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ كان يحب التيامن في كل شيء وروى أنه كان ينام على جنبه الأيمن ويضع يده اليمنى تحت خذه الأيمن ويقول اللهم قني عذابك يوم تجمع عبادك وروى أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا اتخذت مضجعها قالت اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة غير كاذبة نافعة غير ضارة حافظة غير ناسية وفي بعض الأخبار أن من سنة النائم أن يقول إذا أوى إلى فراشه اللهم أعوذ بك مت الاحتلام وسوء الأحلام وأن يتلاعب بي الشيطان في اليقظة والمنام ثم الرؤيا على ضربين حق وباطل فأما الحق فما يراه الإنسان مع اعتدال طبائعه واستقامة الهواء من حين تهتز الأشجار إلى حين يسقط ورقها، وأن لا ينام على فكرة وتمني شيء مما رآه في منامه ولا يخل بصحة الرؤيا جنابة ولا حيض وأما الباطل منها فما تقدمه حديث نفس وهمة وتمن ولا تفسير لها وكذلك الاحتلام الموجب للغسل جار مجراه في أنه ليس تأويل وكذلك رؤيا التخويف والتخزين من الشيطان قال الله تعالى: {إنّما النَجْوَى مِنَ الشّيْطانِ ليَحْزُنَ الذِين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله} . ثم إن من السنة خصال يعملها الذي يرى في منامه ما يكره يتحول عن جنبه الذي نام عليه إلى الجنب الآخر ويتفل عن يساره ثلاثا ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقوم فيصلي ولا يحدث أحدا برؤياه وقد روي أن رجلاً أتى النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ فقال يا رسول الله إنني أرى في المنام رؤيا تحزنني فقال عليه السلام وأنا أيضا أرى في المنام ما يحزنني فإذا رأيت ذلك فاتفل عن يسارك ثلاثا وقل اللهم إني أسألك خير هذه الرؤيا وأعوذ بك من شرها. ومن ذلك أضغاث أحلام وهي أن يرى الإنسان كأن السماء صارت سقفا ويخاف أن يقع عليه وأن الأرض رحى تدور أو نبت من السماء أشجار وطلع من الأرض نجوم أو تحول الشيطان ملكا والفيل نملة وما أشبه ذلك ولا تأويل لها ومن ذلك رؤيا يراها الإنسان عند تشويش طبائعه كالدموي يرى الحمرة والمرطوب يرى الرطوبة والصفراوي يرى الصفرة والسوداوي يرى الظلمات والسواد والمحرور يرى الشمس والنار والحمام والمبرود يرى والممتلئ يرى الأشياء الثقيلة على نفسه فهذا النوع من الرؤيا لا تأويل له أيضا ثم إن أصدق الرؤيا ما كانت في نوم النهار أو نوم آخر الليل فقد روي أن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ قال أصدق الرؤيا ما كان بالأسحار وروى أنه قال: أصدق الرؤيا رؤيا النهار لأن الله تعالى أوحى إلي نهارا (وحكى) عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنّه قال أصدق الرؤيا رؤيا القيلولة (قال الأستاذ أبو سعيد رضي الله عنه) ولصاحب الرؤيا آداب يحتاج إلى أن يتمسك بها وحدود ينبغي أن يتعداها وكذلك للمعبر فأما آداب صاحب الرؤيا فإن لا يقصها على حاسد وذلك أن يعقوب عليه السلام قال ليوسف لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ولا يقصها على جاهل فقد روي عن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ أن قال لا تقصص رؤياك إلا على حبيب أو لبيب وأن لا تكذب في رؤياك فقد روي أن النبي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ قال من كذب في الرؤيا كلف يوم القيامة عقد شعيرتين ولا يقصها إلا سرا كما رأى سرا ولا يقصها على صبي أو امرأة والأولى أن يقص رؤياه في إقبال السنة وفي إقبال النهار دون إدبارهما،

ج 1 · ص 32 · افتح الصفحة في الشاملة ↗